محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَبِإِمامٍ مُبِينٍ بطريق مستبين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآتَيْناهُمْ آياتِنا يقول تعالى ذكره : ولقد كذب سكان الحجر ، وجعلوا لسكناهم فيها ومقامهم بها أصحابها ، كما قال تعالى ذكره : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فجعلهم أصحابها لسكناهم فيها ومقامهم بها . والحجر : مدينة ثمود . وكان قتادة يقول في معنى الحجر ، ما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أصحاب الحجر : قال : أصحاب الوادي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، وهو يذكر الحجر مساكن ثمود قال : قال سالم بن عبد الله : إن عبد الله بن عمر قاله : مررنا مع نبي صلى الله عليه وسلم على الحجر ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم . ثم زجر فأسرع حتى خلفها . حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري ، قال : ثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد المكي ، قال : ثنا داود بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عثمان بن قوم عن ابن سابط عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالحجر : " هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلا رجلا كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله " قيل : يا رسول الله من هو ؟ قال : " أبو رغال " . وقوله : وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يقول : وأريناهم أدلتنا وحججنا على حقيقة ما بعثنا به إليهم رسولنا صالحا ، فكانوا عن آياتنا التي آتيناهموها معرضين لا يعتبرون بها ولا يتعظون . القول في تأويل قوله تعالى : وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ يقول تعالى ذكره : وكان أصحاب الحجر ، وهم ثمود قوم صالح ، يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ من عذاب الله ، وقيل : آمنين من الخراب أن تخرب بيوتهم التي نحتوها من الجبال ، وقيل : آمنين من الموت . وقوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ يقول : فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وعدوا العذاب ، وقيل لهم : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام . وقوله : فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ يقول : فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يجترحون من الأعمال الخبيثة قبل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . . . الْجَمِيلَ يقول تعالى ذكره : وما خلقنا الخلائق كلها ، سماءها وأرضها ، ما فيهما وَما بَيْنَهُما يعني بقوله : وَما بَيْنَهُما مما في أطباق ذلك . إِلَّا بِالْحَقِّ يقول : إلا بالعدل والإنصاف ، لا بالظلم والجور . وإنما يعني تعالى ذكره بذلك أنه لم يظلم أحدا من الأمم التي اقتص قصصها في هذه السورة وقصص إهلاكه إياها بما فعل به من تعجيل النقمة له على كفره به ، فيعذبه ويهلكه بغير استحقاق ؛ لأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما بالظلم والجور ، ولكنه خالق ذلك بالحق والعدل . وقوله : وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن الساعة ، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة لجائية ، فارض بها لمشركي قومك الذين كذبوك وردوا عليك ما جئتهم به من الحق . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ يقول : فأعرض عنهم إعراضا جميلا ، واعف عنهم عفوا